أخر الأخبار

قصة “مهران ناصري” الذي ضل عالقا 18 سنة في صالة الإنتضار بمطار “شارل ديغول”!

أن ينتهي بك المطاف عالقًا في احد المطارات لمدة أيام فهذا أمر يصعب عليك تقبله، لكن ماذا عن ثمانية عشر عامًا؟!
‏هذا بالفعل ما حدث مع مهران ناصري، الذي ظل عالقًا في مطار شارل ديغول كل هذه المدة، لكن ما السبب وراء ذلك؟ وكيف قضى كل هذه المدة هناك؟ وأين هو الآن؟

في جنوب غرب إيران، تحديدًا في المجمع السكني التابع لشركة النفط الإنجليزية الفارسية الواقع في منطقة مسجد سليمان الغنية بالنفط، استقبل كريمي ناصري وهو طبيب عام يعمل في نفس الشركة مولودًا جديدًا وقد أسماه مهران، كان ذلك عام 1942م.

لم يزل الطفل ناشئًا في ظلال أسرية هادئة، يتلقى تعليمه الأساسي مستمرًا في طي الوقت؛ حتى صار إلى الشباب والجامعة، وكحال أقرانه كانت تعتريه حماسة لا تضاهى، حماسة ما انفكت تضعه في قلب الأحداث والاحتجاجات المتصاعدة ضد حكم الشاه، لكن وسط كل هذا تحديدًا عام 1967 يباغته نبأ غير سار.

لقد توفي أبيه، كانت صدمة اهتزت لها حياته كما لم تهتز من قبل، لكن الأحزان تضاعفت في ذاته من باب أوسع، حين دعته أمه إلى جلسة على انفراد، أخبرته فيها أنه ليس ابنا لها، بل هو ابن لعلاقة غير شرعية بين أبيه الطبيب وممرضته الاسكتلندية، التي غادرت إلى بلادها منذ أمد.

مفاجأة من عيار ثقيل أربكت مهران ووضعته تحت ضغوطات عصبية ومجتمعية كبيرة، لكن نهر الحياة استمر في الجريان، حيث رعته أسرته وقدمت له الدعم وأوفدته عام 1973 إلى جامعة برادفورد بإنجلترا للدراسة، لكن المثير للدهشة أنه اختار دراسة تخصص بعيد الصلة عنه وهو الاقتصاد اليوغوسلافي.

بالطبع واجه الشاب العشريني حينذاك صعوبات جمة في التعاطي مع هذا التخصص، وبعد عامين من وفادته إلى إنجلترا للدراسة، وبناء على الفشل الدراسي الذي انتهى إليه اضطر أن يقفل عائدًا إلى طهران، لكن عند وصوله إلى مطار بلاده كان في انتظاره صدمة جديدة لكن من نوع مختلف.

بسبب نشاطه الاحتجاجي في إنجلترا ومشاركاته المتعددة في مظاهرات ضد الشاه، تم إيقافه في مطار طهران من قبل السافاك أو “منظمة المخابرات والأمن القومي” الإيراني، واقتيد إلى سجن إيفين حيث عُذب على مدى 4 أشهر قبل أن يُنفى من البلاد مُجردًا من جنسيته الإيرانية.

تتقاذفه الأمواج يمنة ويسرة ليجد ذاته في أوروبا مقيمًا في بلجيكا، وذلك بعد محاولات تسلل وطلبات لجوء رسمية كثيرة لعدد من الدول الأوروبية الأخرى، وعلى رأسها إنجلترا والتي كان تواقًا أن يعود إليها أملًا في البحث عن أمه الاسكتلندية.

في أواخر عام 1980 وافقت بلجيكا على منح مهران حق اللجوء السياسي على أراضيها، كان الأمر بمثابة نهاية سعيدة لركض طويل وحياة مليئة بالمعاناة، لكن مهران لم يكن ينفك تفكيره أبدًا عن ترك بلجيكا إلى أي من الدول الأوربية الأخرى وبالأخص المملكة المتحدة حتى لو كان الأمر بطريقة غير شرعية.

بعد محاولات تسلل كثيرة انتهى به المطاف عام 1988 محتجزًا في السجون الفرنسية والتي احتجز فيها على مدى سنوات، وذلك قبل أن يتاح له الوصول إلى مطار شارل ديغول الفرنسي، حيث اختار المغادرة إلى انجلترا وبالفعل صعد إلى الطائرة ووصل هيثرو.

بحسب ادعائه فقد مهران حقيبته اليدوية المحتوية على جميع أوراقه الثبوتية، الأمر الذي دفع السلطات في مطار هيثرو إلى منعه من دخول المملكة المتحدة، وإعادته مجددًا إلى الوجهة القادم منها، عاد مهران بالفعل إلى مطار شارل ديغول وطلب منه البقاء في منطقة الانتظار في المبنى واحد.

لم يكن انتظارًا عاديا أبدا، بل استمر كأطول مدة انتظار في تاريخ المطارات، حيث لبث الرجل في هذه المنطقة ما يربو على 18 عامًا، نتيجة عدم تمكنه من إثبات شخصيته، بجانب ذلك لم تستطع السلطات التعرض له قانونيًا بالحبس أو خلافه كونه قد دخل إلى مطار شارل ديغول بصورة قانونية لا لبس فيها.

هنا تبدى الوجه القبيح للبيروقراطية، ثغرة قانونية لا مرد لها ولا علاج، أقعدت مهران في محله ينتظر الخروج، مرت أيام وأيام ومهران يحاول إقناع السلطات بضياع حقيبته وضرورة السماح له بالخروج، لكن لا مجيب، استسلم الرجل في الأخير لوضعه المستجد، وكف نفسه عن البحث عن حل.

المبنى رقم 1 تتنشر فيها المحال وأماكن الجلوس، لكن تلازمك فيها ضوضاء لا تنتهي، إذ لا تمر دقيقتين دون نداءات حثيثة من موظفي المطار لأولئك الركاب المتأخرين عن رحلاتهم، يأتي فوج ويذهب آخر، الجميع هنا يسابق الوقت من أجل العودة إلى المنزل، إلا مهران لا يستطيع فعل أي شيء سوى الانتظار.

على مدى شهور اعتاد موظفو المطار رؤيته واجمًا تكسوه طلة تعجب تخبر عنه بكل شيء، تعاطف معه غير واحد، ومنحوه أريكة دائرية حمراء كانت مهملة لديهم، واختار لها مهران ركنا من أركان المطار، أريكة لم تكن مناسبة لنومة هنيئة بتاتا، لكن هنا لا اختيار.

مع تحول الأيام إلى أسابيع والأسابيع إلى شهور ثم إلى سنوات، أصبح مهران علامة بارزة من علامات المطار مثله تمامًا مثل النافورة هناك بل ربما كان أبقى، ليلًا يلتف نائمًا على مقعده الدائري، فيما سترته الزرقاء هي غطاءه الوحيد الذي يقيه برودة الجو.

مبكرًا اعتاد الرجل أن يستيقظ من نومه وذلك قبل أن يزدحم المطار ويضج بالحركة، مباشرة يذهب إلى دورة المياه ثم يبدأ في الاهتمام بنظافته الشخصية، حيث كان حريصا عليها لأبعد مدى، فلا تراه إلا نظيفا، فيما وجبتي طعامه اليومية تكفل بها بداية بعض موظفي ماكدوندلز ممن تعاطفوا معه.

يومًا بعد يوم تكومت من حوله الحاجيات، فكثير من الركاب المارين ممن استمعوا لقصته تعاطفوا معه أيضا، ومنحوه ما استطاعوا من أموال وحاجيات وأدوات معيشة، فضلًا عن كم غزير من الكتب، والتي صار منكبا عليها مجمل وقته، طمعا في تزجية الزمن ودفعا للملل.

بعض الأموال الممنوحة له أصبحت زائدة عن حاجته، لذلك أصبح يودعها في حساب مالي قام بفتحه في بريد المطار، انتظر حتى أصبحت أمواله قادرة على شراء تذكرة جديدة إلى لندن، سمحت له السلطات بالمحاولة مرة أخرى لكن إدارة الهجرة في مطار هيثرو أرجعته ثانية من حيث أتى.

بعد مرور أعوام كثيرة على تواجده ضمن مكان يتكرر فيه الرنين المصاحب للإعلانات الصوتية مئات المرات في اليوم فضلًا عن ضوضاء لا تنتهي، دخل الرجل في طور نفسي جديد يتنكر فيه لماضيه، حيث نفى عن نفسه الأصل الإيراني وابتدع لذاته مسمى جديدًا هو السير ألفريد.

لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد بل صار إلى اختلاق قصص من نسج خياله المحاصر والمشوش بضجيج المارين، قصص حول نشأته، فبات منكرًا لاسم مهران ولماضيه المتعلق بإيران، وعرج إلى الحديث عن أسرته التي تخلت عنه ورفضته، وعن أمه الأسكتلندية التي يتمنى أن يلاقيها يومًا.

التفت إلى حالته أحد المحامين الفرنسيين، حيث تبنى قضيته وعلى مدى سنوات اجتهد لإقناع السلطات البلجيكية على إصدار أوراق لجوء جديدة لمهران، وهو ما تحقق بعد عشر سنوات، وصلت الأوراق إلى مهران، لكن المفاجأة أنه رفضها كونها ذكرته باسم مهران، وهو ألفريد!!

انتكاسة عقلية على ما يبدو أو رفض لعطف سلطات تسببت في بقائه منتظرًا عشر سنوات، أخيرًا التفتت إليه الصحافة، وأصبح المراسلون والصحفيون يقصدونه من كل مكان، وفي كل يتكشف ألفريد عن تفاصيل جديدة تناقض ما ادعاه سابقًا، حتى وصل به الحال إلى الادعاء أنه سويدي.

خلال كل هذه المدة اعتاد مهران أن يكتب مذكراته، حيث أتمها متعاونًا فيها مع الكاتب البريطاني أندرو دونكين، الذي نجح في نشرها في كتاب ترجم لأكثر من لغة تحت اسم “رجل الصالة”، ولاقى الكتاب نجاحًا جيدًا، وفي هذا الشأن وصفته التايمز اللندية بأنه كتاب رائع وصادم.

في عام 1999 وتحت ضغط من نشطاء ومهتمين بمجال حقوق الإنسان وافقت فرنسا على منح مهران اللجوء المؤقت في أراضيها، لكن مهران كان قد قطع مسافات عميقة في اضطرابه النفسي وتحولاته الدرامية إلى شخصيات أخرى بعيدة عنه، لذلك تمسك بوجوده في المطار رافضًا العرض الفرنسي.

لم يكن مهران غائبًا عن وضعيته، بل كان يحيط ذاته بكل الصحف والمجلات التي تحدثت عنه، لذلك لم يكن مستغربا أن يمنح شركة دريم وركس حقوق قصته، التي استلهمت منها فيلمها ذا ترمينال، وأعطته مقابل ذلك مبلغًا قدره البعض بـ 250 ألف دولار، أودعها مهران حسابه البريدي في المطار.

واجه مهران كل المحاولات التي سارت في اتجاه إخراجه من المطار، إلا محاولة المرض، ففي 1 أغسطس 2006 تعرض لوعكة صحية شديدة استدعت إخراجه إلى المستشفى، وكانت هذه هي المرة الأخيرة له في المطار، حيث سارعت إدارة المطار إلى إزالة أريكته الحمراء ذات العقدين وكل متعلقاته.

ظل السير ألفريد أو مهران ناصري في المستشفى مدة ثلاثة أشهر، قبل أن يتم إيداعه في إحدى ملاجئ باريس أوائل عام 2007، لا يعرف على وجه الدقة أين يوجد الرجل حاليًا، لكن بعض الشائعات تتحدث أنه وظف أمواله لشراء الجنسية البريطانية وقد فعل.

بعض التحقيقات الصحفية التي تتبعت نشأة مهران في إيران والتقت عددًا من أقاربه، دحضت كثير من المعلومات التي قال بها الرجل، فأسرته لم تنكره، وليست ثمة أم اسكتلندية، لكن على ما يبدو أن الأمور تعقدت على غير هوى منه وأوصلته إلى ذاك الطريق المسدود.

‏رجل غريب عاش غريبا واختفى بأسرار.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى