صعود قوي لفاليري بيكريس لتمثيل اليمين الجمهوري لرئاسة فرنسا

ينتهي الأسبوع الحالي باستكمال المشهد الانتخابي لرئاسية 2022 في فرنسا بعد أن أعلنت جل الشخصيات السياسية

عن تقديم ترشحاتها. وقد أظهر الإعلام الباريسي انطلاق الحملة الانتخابية بصورة مبكرة وركز على الشخصيات المرتقب دخولها في السباق الرئاسي. وفي هذا الإطار أعلن الصحفي والكاتب العنصري المتطرف إيريك زمور عن تقديم ترشحه للرئاسية بعد أن جال معظم جهات البلاد لتقديم آخر كتبه مستغلا الوضع لاستغلال المساحة الإعلامية لتقديم أفكاره الهدامة.


مع وصول موعد نهائيات التصويت حول مرشح حزب الجمهوريين، قررت الأحزاب والتجمعات السياسية المساندة للرئيس إيمانويل ماكرون عقد «مؤتمر» توحيدي فيما بينها من أجل الإعلان عن دخولها في تحالف انتخابي لمساندة إعادة ترشح الرئيس الحالي. وهي حزب ماكرون «فرنسا إلى الأمام» والحزب الوسطي «لو مودام» بزعامة فرنسوا بايرووالحزب الجديد «آفاق» الذي أسسه الوزير السابق إدوار فيليب. وأطلق المجتمعون اسم «معا أيها المواطنون!» على التجمع السياسي الذي يدعم ترشح ماكرون.


امرأة لقيادة الحزب الديغولي


وكان أحد أحداث الأسبوع السياسي وصول فاليري بيكريس، رئيسة المجلس الجهوي لباريس الكبرى، إلى نهائيات التصفيات لحزب الجمهوريين بعد أن حصلت على 25 % من أصوات الناخبين المرسمين في قائمة الحزب (100 ألف مناضل) لتأتي في المرتبة الثانية بعد إيريك صيوتي الذي تقدم عليها بنسبة 25،59 %. وأعلن باقي المرشحين (غزافيهبرتران وميشال بارنيه وفيليب جوفان على مساندتهم لفاليري بيكريس في الدور الثاني مما يؤهلها للفوز بمقعد المرشحة للحزب.


وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الحزب تقود امرأة المعركة الرئاسية منذ قيام الجمهورية الخامسة. ويعتقد المحللون السياسيون أن المعطى الجندري سوف يكون له تأثير على مسار الحملة الانتخابية لصعود المسائل المتعلقة بالنساء (الاعتداءات الجنسية، المساواة في الأجور، تحمل المسؤوليات، إلخ) في الحوار الوطني والإعلامي وبروز الحملات «مي تو» والنسوية والإيكولوجية وهي موجات فرضت «المسألة النسائية» من جديد على أجندات الأحزاب السياسية.

لكن فاليري بيكريس أظهرت، بعيدا عن المسألة الجندرية، قدرة على بلورة برنامج واضح ومتكامل لحزب الجمهوريين يمكنها من لم شمل الفصائل داخل الحزب بعد أن أعلن كل المرشحين عن اصطفافهم وراء الفائز يوم السبت 4 ديسمبر.


انقسام اليمين المتطرف


لأول مرة يدخل اليمين المتطرف السباق منقسما بعد أن أعلن الصحفي العنصري إيريك زمور عن ترشحه في ختام حملة انتخابية مقنعة جال فيها البلاد وتربع على بلاتوهات التلفزيونات مكررا الأفكار العنصرية ضد العرب والمسلمين والمهاجرين معتبرا إياهم «مأساة» البلاد مما أربك المشهد السياسي وقسمه بين مناصر ومعاد للأفكار العنصرية المطروحة بعيدا عن الخوض في المسائل الأساسية التي تشغل بال المواطنين والمتعلقة بالأزمة الصحية والقدرة الشرائية والحيطة الاجتماعية ونظام التقاعد وغيرها من المسائل الحيوية.


بعد حملة 2017 الانتخابية تجد مارين لوبان زعيمة التجمع الوطني، التي خاضت الدور النهائي أمام إيمانويل ماكرون، نفسها أمام منافس يميني متطرف يريد انتزاع الصدارة منها. وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم مارين لوبان (19 %) على إيريك زمور (13 %) الرصيد الانتخابي لزعيمة اليمين المتطرف سوف ينشطر ويهدد بذلك حظها في الوصول إلى المرتبة الثانية في الدور الأول من الرئاسية الشيء الذي يمكنها من منافسة إيمانويل ماكرون المرشح الطبيعي، ولو أنه لم يعلن ترشحه بعد.


يبقى سيناريو نجاح مرشحة اليمين الجمهوري فاليري بيكريس في استقطاب اليمين الليبرالي رهن التزام الشخصيات الحزبية اليمينية بزعامتها. وقد أظهرت بيكريس في قيادتها لجهة باريس الكبرى حنكة سياسية في تشكيل أغلبية وإدارة الشأن العام بالتشاور مع مختلف التشكيلات السياسية مع ابراز قدرة على الزعامة واقتراح الحلول العملية البراغماتية. وهي صفات تضمن للسياسي أن يتحول إلى زعيم أو زعيمة، يمكنه جلب المساندة من خارج محيطه السياسي التقليدي وهو الشيء الوحيد الذي يصل بالمترشح إلى عتبة 15 مليون ناخب تفتح الباب أمام الفوز بالرئاسية.


يسار في غيبوبة


يبقى الجانب الثاني للمشهد الانتخابي المتعلق باليسار والذي يشهد انقساما هيكليا بين أحزاب أظهرت أنها غير قادرة على إعادة تشكيل «وحدة اليسار». وتلك في المقام الأول مسؤولية الحزب الاشتراكي الذي حكم البلاد منذ 1981 وتحول تدريجيا إلى «دويلات» يترأس كل منها شخصية سياسية دون كاريزما مما جعل الحزب يتحول إلى طوائف غير قادرة على بلورة مشروع موحد وقيادة قابلة للعمل المشترك. وهو ما أدخل الحزب في نوع من التشرذم لم يستطع قادته الحاليون إنعاش مكوناته حول مشروع انتخابي. وإعطاء مسؤولية قيادة الحملة إلى عمدة باريس آن هيداغو لم يعط، إلى حد الآن، أي نتيجة. اذ لم تتجاوز عتبة 6% من الأصوات في استطلاعات الرأي وهو ما يقصيها مباشرة من السباق.


يبقى حزب الخضر الأوروبي الذي برز في الانتخابات البلدية والأوروبية بتحقيقه تقدم على الحزب الإشتراكي. لكن البعد الإيكولوجي لا يزال أقليا في صفوف الرأي العام الفرنسي. وذلك لم يتبلور في سياسة جامعة تشمل كل أوجه الحياة. وفي هذا السياق، لا يمكن لحزب الخضر أن يلعب الأدوار الأولى في الرئاسية لفقدانه للبعد الوطني الذي يمكنه من استقطاب شرائح واسعة من الناخبين.

وهو ما يفتح الباب أمام هزيمة اليسار المبرمجة ونجاح الرئيس الحالي في إعادة الكرة عبر اقتراحه تشكيل أغلبية بين اليمين واليسار فوق الأحزاب متفتحة على كفاءات المجتمع المدني. رهان أظهر قدرته على تحقيق النجاح عام 2017. لكن مع تعدد الأزمات (السترات الصفراء وجائحة كورونا والأزمة الاقتصادية) يبقى الطريق صعبا أمام إيمانويل ماكرون لتكرار فوزه الأول.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى