بحر المانش…والإتجار بالبشر

يصل الآلاف من المهاجرين إلى ضفة القنال الإنجليزي البريطانية، من خلال عمليات تهريب تقوم بها المليشيات في التلال الفرنسية وتنتهي بأسراب منهم تقذفهم المياه على شواطىء كنت في إنجلترا.

تلك الصناعة الإجرامية التي تقود إلى صناعة قوارب خصيصًا لهذا الغرض ونقلها عبر حدود الاتحاد الأوروبي، هي صناعة يحشر الزبائن فيها بلا رحمة لساعات داخل الأدغال قبل وضعهم على متن هذه القوارب.

وبعد غرق قارب مطاطي يقل 27 شخصًا، غرقوا جميعًا، يوم الأربعاء الماضي، في مأساة هي الأسوأ حتى الآن منذ بدء عمليات العبور هذه.

ومع ذلك لم يردع هذا الحادث هؤلاء الذين غادروا في صباح اليوم التالي في نفس الاتجاه.

وغالبًا ما تستخدم شبكات التهريب، المهاجرين أنفسهم لإدارة اللوجستيات على أرض الواقع، وهؤلاء هم من يسعون إلى كسب بعض المال، أو يتطلعون إلى المغادرة ويحتاجون لتأمين مكان لهم على قارب ما.

وكأنهم حراس مختبئين على طول الساحل، يظهرون على حين غرة، وفي بعض الأحيان، يظهرون قبل بضعة أيام فقط من موعد انطلاق قارب ما.

يسجلون بدقة تحركات قوات الأمن وينبهون زملائهم المهربين حين يحين موعد خروج المسافرين من مخابئهم على طول الشاطئ ويركضون نحو البحر.

ويقول المهاجرون إن هناك قواعد صارمة بشأن السلوك والتحدث والهواتف المحمولة. وأخيراً يتحملون فترة انتظار طويلة في مخبئهم وسط التلال الرملية.

كما تنتشر أماكن الاختباء هذه على طول خط الساحل، ليس فقط بين التلال الرملية، بل وفي غابات ومخابئ خرسانية تعود لفترة الحرب العالمية الثانية، وتنتشر فيها متعلقات شخصية تركها المسافرون السابقون خلفهم.

في حين يبقى المسافرون بعيدين عن القوارب حتى اللحظة الأخيرة، ليس من أجل حمايتهم بل لحماية القارب إذا اكتشتفته الشرطة التي قد تصادره أو تحطمه.

وغالبًا ما تأتي الزوارق من ألمانيا أو بلجيكا، لتجنب رقابة الشرطة الفرنسية.

حيث أن العديد من أفراد الشبكات التي تعمل في هذه التجارة، هم من مواطني الاتحاد الأوروبي الذين يمكنهم بسهولة قيادة العربات ونقل المعدات عبر الحدود إلى فرنسا.

بحر المانش…والإتجار بالبشر

وتقول الشرطة إن القوارب مصممة بشكل خاص بحيث تكون طويلة وبسيطة ومطاطية قابلة للنفخ، لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الناس، كما أن هيكلها البسيط يجعلها خطرة بشكل خاص.

بحيث يساعد تقسيم القوارب المطاطية إلى أقسام منفصلة، على الحد من حدوث أي ضرر وفقدان للهواء إذا ما حدث ثقب في أحد الأقسام.

لكن غالبًا لا يهتم المهربون بتدعيم قاع القارب بألواح صلبة، ما يعني أن القوارب تتقلص وتنهار عند فراغها من الهواء، كما قال أحد الوزراء الفرنسيين الذي شبهه بــ “حوض سباحة أطفال قابل للنفخ”.

وليس الخطر بخافي على المهاجرين الذين ينتظرون العبور في هذه المخيمات، عن تطبيقات التنبؤ بأحوال الطقس في القنال الإنجليزي بشكل يومي.

فالأمواج يزيد ارتفاعها عن متر، وتشكل خطرًا حقيقيًا، لكن ذلك لا يثني إلا قليلين عن الرحلة، وهؤلاء الذين يدركون مخاطر الرحلة يجدون أنفسهم في مواجهة معضلة حقيقية.

ومع ذلك لا يهتم رجال العصابات الإجرامية بما قد يحدث للمهاجرين، وكل ما يهمهم هو الحصول على أموال منهم.

حيث ذكرت بعض التقارير أنهم يهددون الزبائن إذا غيروا رأيهم حول الرحلة.

كما يوجد هناك كثير من الشبكات التي لها علاقات بمجتمعات ومخيمات مختلفة، وغالبًا ما يكونون في منافسة شرسة مع بعضهم البعض.

وقد يصل الأمر ببعضهم إلى حد ابتزاز النساء الراغبات في العبور جنسيًا، حيث أن المهاجرون الأكثر فقرًا، والذين لا يستطيعون جمع سوى جزء بسيط من السعر المطلوب، سيحشرون جميعهم في قوارب قديمة ومكتظة عندما تزيد مخاطر العبور.

وازدادت المخاطر أكثر بعد أن زادت قوات الأمن الفرنسية من أعداد دورياتها. وتقول الحكومة إنها أفشلت أكثر من نصف محاولات العبور.

لكن الدوريات تسيرها فرق مختلفة حسب المنطقة والتوقيت: الدرك والشرطة و جنود الاحتياط والجنود المحترفون.

ويعرف المهربون أن الدوريات لا يمكنها التدخل في العبور إذا كان ذلك سيعرض الأرواح للخطر، لذا، يقول المهربون للمسافرين: “فقط انزلوا إلى الماء وستكونون في المملكة المتحدة”.

كما تخوض بعض الدوريات البرية في المياه الضحلة لسحب القوارب إلى الشاطئ، ولكن بمجرد وصولها إلى البحر، يتم ببساطة مراقبة الزوارق غير المعرضة للخطر من قبل خفر السواحل الفرنسية أثناء انجرافها نحو المياه البريطانية.

وتقدم السلطات الفرنسية المساعدة لأي شخص يواجه الخطر، لكن وحدة حرس الحدود البريطانية تذكر أن المهاجرين غالبًا ما يترددون في طلب المساعدة أثناء تواجدهم في المياه الفرنسية، خوفًا من إعادتهم إلى الأراضي الفرنسية.

وبمجرد عبور الخط الفاصل في منتصف القنال، يسعد المهاجرون عادةً بإنقاذهم، حيث يتولى خفر السواحل في دوفر زمام الأمور، وعادة ما يرسلون سفن خفر الحدود البحرية وقوارب النجاة التابعة للمؤسسة الملكية للإنقاذ.

ويتم تجري مساعدة المهاجرين بنقلهم إلى متن السفينة، والتجمع تحت البطانيات في المرحلة الأخيرة من رحلتهم إلى إنجلترا.

وقد تم اعتراض غالبية المهاجرين الذين وصلوا إلى مياه المملكة المتحدة منذ عام 2018 في البحر، والذين يقدر عددهم بـ 37 ألف شخصًا، ونزلوا مباشرة في منطقة آمنة في ميناء دوفر – المعروفة باسم “تاج هيفن”.

بي بي سي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى